رسالة إلى الدكتور ممدوح العكر المفوض العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان
عمل الهيئة ليس مهنياً ولا حيادياً ولا مستقلاً وإليك الدليل
نهاد الشيخ خليل
سيدي الفاضل، بعد التحية أود أن أغتنم فرصة النقاش الدائر بشأن إقرار قانون الهيئة المستقلة في غزة، وأن أضع بين يديك مجموعة من الملاحظات حول تقرير الهيئة المستقلة رقم 15 بشأن حالة حقوق الإنسان في مناطق السلطة؛ هذه الملاحظات التي جعلتني أصل إلى استنتاج بأن الهيئة لا تعمل باستقلالية ومهنية وحياد كما يُفترض، وإذ أضع هذه الملاحظات بين يديك عبر وسائل الإعلام؛ فإنني آمل أن تحظى بالاهتمام من جانبكم، وأن تساهم في إثارة النقاش العام حول مدى مهنية عمل الهيئة، والملاحظات أسجلها كالتالي:
1- يستبطن التقرير في معظم صفحاته، ويُظهر في مواطن عديدة موقفاً منحازاً للحكم القائم في رام الله، يتضح هذا من خلال المصطلحات المستخدمة في تسمية كل فريق، فبينما نجد التقرير يُسبغ أوصاف الوطنية والفلسطينية والقانونية والشرعية على فريق رام الله عندما يطلق عليه (الحكومة الفلسطينية)، و(السلطة الوطنية الفلسطينية) و(حكومة تسيير الأعمال)، وبخصوص الأجهزة الأمنية فإنه يسميها (الأجهزة الأمنية الفلسطينية) و(الشرطة الفلسطينية).
أما بخصوص الحكم في غزة فإن التقرير ينزع عنه صفة الفلسطينية والوطنية والقانونية والشرعية حيث يطلق عليه التسميات التالية (الحكومة المقالة) و(وزارة الداخلية المقالة)، و(الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة المقالة)...إلخ. وقد لوحظ مواظبة التقرير على استخدام هذه المصطلحات بشكل محكم لم يحدث فيه سهو حتى ولو لمرة واحدة! الأمر الذي يشير إلى أن معدي التقرير لديهم موقف سياسي مسبق، وانحياز واضح للفريق الموجود في رام الله.
وكان بإمكانهم استخدام مصطلحات تعكس حيادية ولا تمس بأحد، فيمكن القول (الحكومة في غزة) و(الحكومة في رام الله)، أو يمكن القول (الحكومة المقالة في غزة) و(الحكومة المعينة في رام الله)، وبخصوص الأجهزة الأمنية كان بالإمكان وصف الطرفين بالفلسطينية، أو الاكتفاء بالقول (جهات إنفاذ القانون في غزة) و(جهات إنفاذ القانون في الضفة)؛ بدلاً من إضفاء صفة الوطنية والفلسطينية على طرف وتجريد الآخر منها!
2- إن المنهجية المتبعة في إعداد التقرير، والتي تستند إلى ورود الشكاوى إلى مكاتب الهيئة دون إجراء بحث يستقصي الظاهرة بشكل علمي، هي منهجية مطعون في صحتها؛ لأن الكثير من الناس يخافون من تقديم الشكاوى، وفي بعض الأحيان يوجد أشخاص محترفون في تقديم الشكاوى، وقد يكونوا أطرافاً -وليس مجرد أشخاص- وهؤلاء قد يتحكمون في توجيه تقارير حقوق الإنسان التي تعتمد على منهجية ورود الشكاوى، ويكفي هنا للتدليل على صحة هذه الملاحظة الإشارة إلى المساحة التي احتلتها قصة الصحفي فايز أبو عون، وهو لم يُحتجز للحظة، بل ذهب واشتكى للشرطة، وتدخلت الحكومة في الأمر، وفي نفس الوقت فإن الصحفيين الذين تعرضوا لأذى حقيقي في الضفة؛ لم تُذكر قصصهم، بل وردت أسماءهم بشكل عابر، كأرقام!!
3- لوحظ أن معدي التقرير، وفي أكثر من موطن، يبحثون بالمجهر عن أشياء يمكن أن تُعد إنجازات للإشادة بالحكومة في رام الله، وإعطاء شهادات تقدير لها، وتكرر هذا عند الحديث عن القضاء في الضفة، وعن استحداث تشكيلات جديدة في وزارة الداخلية في الضفة مثل دائرة الديمقراطية، ودائرة رقابة وتفتيش، وكذلك في عمل وزارة الصحة، وبشأن التعذيب الذي اعتبروا أنه تقلّص في الربع الأخير من سنة 2009 نتيجة قرارات فياض وتعليمات وزير الداخلية سعيد أبو علي بمنع التعذيب وغيرها، أما عندما تحدث التقرير مرة واحدة يتيمة عن عمل إيجابي للحكومة في غزة بشأن توزيع المساعدات وأجزاء من التعويضات على متضرري العدوان على غزة، عندها لم يفت معدي التقرير التذكير بأن هذا ليس كافياً!!!
4- لوحظ أن معدي التقرير، ورغم توجيههم انتقادات صريحة وقوية لأداء أجهزة السلطة المختلفة في رام الله، إلا أنهم حصروا الانتقادات في أغلبها في إطار السلوك اليومي، وحاولوا إظهار وجود سياسات إصلاحية، وتوجهات حكومية تُرشّد الحالة وتلاحق الخلل، وفي أكثر من موطن تحدث التقرير عن وجود خطة تنموية، وعن وجود قرارات وسياسات تجتهد في الارتقاء بالواقع الفلسطيني.
5- لوحظ أن معدي التقرير كانوا أميل إلى تفهم السلوك الخاطئ في الضفة، وتحدث التقرير بشئ من الإسهاب على تأثير سياسات الاحتلال على عدم تمكين السلطة من الالتزام بمعايير العمل السليمة في مجال القضاء وغيره. لكن التقرير لم يبد أي تفهم لتأثير سياسات الاحتلال والحصار وامتناع الكثير من الموظفين عن العمل على واقع عمل الحكومة في غزة، وعندما كان يأتي ذكر الحصار، فإن التقرير في أكثر من موطن أوحى بأن الانقسام هو الذي أدى إلى الحصار.
6- لوحظ أن التقرير سكت عن تعيين فياض رئيساً للحكومة في الضفة، وتعامل معه كرئيس حكومة شرعي، متجاهلاً النقاش القانوني، والخلل الديمقراطي من حيث كون فياض لا يمثل 1% من الشعب الفلسطيني، لكنه اليوم يمارس وصاية لا مثيل لها على الموقف السياسي، والموارد المالية، والمقدرات المختلفة، ويوظفها لإملاء قناعاته على الشعب الفلسطيني.
إن ألف باء الديمقراطية يتمثل في أن تعكس الحكومة الإرادة العامة للناس، وفياض يمارس سياسة تحاول تطويع الإرادة العامة وتدجينها، وإقصاء؛ بل استئصال من يمثلون الأغلبية، أو على الأقل من يمثلون جزءاً مهماً من الإرادة العامة للناس، والمقصود حركة حماس.
7- لقد سكت التقرير عن النقاش بشأن انتهاء ولاية الرئيس، وتعامل معه على أنه رئيس لا تشوب صلاحياته أية شائبة.
8- رغم أن عام 2009 بدأ والعدوان الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة في بداياته وأوجه أيضاً، إلا أن التقرير لم يولِ الانتهاكات التي تعرض لها الشعب خلال الحرب أية أهمية، وكل ما شغل بال التقرير هو إدانة أجهزة الأمن وكتائب القسام بسبب مقتل مجموعة من المدنيين 22 شخص، دون أن يذكر التقرير رواية من قام بالقتل، ودون أن يتطرق إلى خلفيات هؤلاء الأشخاص وما قاموا به من أعمال، وهنا لا أريد تبرير القتل بدون محاكمة، ولكنني أتساءل عن السبب الذي دفع معدي التقرير إلى عرض الصورة مجتزأة هنا، بينما لم يغفل في مواطن أخرى، تتعلق بالضفة، إلى إحاطة المعلومة بخلفيات تساعد على استيعابها، وتخفيف وطأة الجريمة، مثل موضوع اغتيال السمان في قلقيلية، أما في غزة فيوجد إصرار على الاجتزاء، ومن أمثلة ذلك أيضاً عرض موضوع المواجهة في مسجد ابن تيمية في رفح.
9- إن أحد المشاكل الرئيسية في التقرير تتمثل في توزيع المساحات بداخله على الموضوعات والعناوين المختلفة، بطريقة تعطي صورة خاطئة لحالة الحقوق الفلسطينية وما تعانيه من انتهاكات، فعندما يتم تقليص الحجم الممنوح للحديث عن الانتهاكات الإسرائيلية فيما يتعلق بشأن الحرب الأخيرة، والقدس، وتُعطى مجموعة من الصفحات للحديث عن الانتهاكات بحق المرأة –لا أقصد الانتقاص من حق المرأة- ولكن توزيع المساحات يُركّب صورة مشوهة وغير حقيقية للحالة القائمة بشأن حقوق الإنسان.
10- لقد تجاهل التقرير وجود أقلية وأغلبية في المجلس التشريعي، فمنح الأقلية الحق في ممارسة عملية التشريع، من خلال توصيته لمجموعات العمل المشكلة من الكتل البرلمانية مواصلة عملها في تقديم الاقتراحات للرئيس حتى يصدرها على شكل مراسيم، بينما طالب التقرير كتلة التغيير والإصلاح بالتوقف عن سن القوانين، لا أعرف كيف منحت الهيئة نفسها حق انتزاع حق الأكثرية ومنحه للأقلية؟ وما هو الاعتبار القانوني أو الديمقراطي أو الوطني الذي دفعها لفعل ذلك؟!!!!
11- لقد واظب التقرير وفي أكثر من موضع على إدانة مواقف حركة حماس؛ حتى عندما يكون الاحتلال ذا علاقة بالموضوع، ومن أمثلة ذلك تحميل حماس مسئولية استمرار الحصار نتيجة سيطرتها على قطاع غزة بالقوة –حسب تعبير التقرير- وكذلك فقد حمّل التقرير حركة حماس المسئولية عن تعطيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية، رغم أن إسرائيل لم تكن قد منحت الموافقة على إجراء الانتخابات في القدس، أو تقديم التسهيلات اللازمة لإجراء الانتخابات.
12- وصف التقرير حالة الشلل التي تعرض لها عمل المجلس التشريعي بالقول (تعطل عمل المجلس التشريعي)، وكأن التعطيل هو من قبل فاعل مجهول أو أنه تعطيل تلقائي، وفي إشارات عديدة عزا التقرير تعطل التشريعي للانقسام، وتجنب التقرير أي ذكر لتبييت النية، بل وممارسة الفعل بتعطيل التشريعي من خلال سحب صلاحياته وتحويلها للرئيس قبل أن يتسلم الأعضاء الحاليون مهام أعمالهم، وبعدها بقي الأمر محل نزاع بين الكتلتين الكبيرتين، وعملياً لم ينجز التشريعي طيلة عام ونصف –أي قبل الانقسام- سوى منح الثقة للحكومتين العاشرة والحادية عشرة، وكذلك فإن الاعتقالات التي طالت النواب قبل الانقسام ساهمت في التعطيل، لذلك فإن تسجيل تعطيل عمل التشريعي لفاعل مجهول أمر يجانب الحقيقة، ويشير إلى أن معدي التقرير يرغبون في الاستفادة من تعطل عمل التشريعي واستخدامه كمسوّغ ومبرر لكي يملأ الرئيس الفراغ الدستوري ويقوم بسن قوانين تتلاءم مع الوجهة الأيديولوجية التي يتبناها معدو التقرير، وننوه هنا إلى أن بعض التعديلات المقترحة والمقدمة للرئيس لها علاقة بموضوع المرأة والجرائم الأخلاقية وقانون العقوبات!
13- يلاحظ أنه عند الحديث عن عملية التشريع في غزة فإن التقرير يصدر حكماً بأن نظام التوكيلات غير قانوني، وبالتالي فإن انعقاد جلسات التشريعي يُعد باطلاً، ولا ينتبه معدو التقرير إلى أن هذا التفسير "القانوني" يمنح الاحتلال حق الفيتو، ويعطيه فرصة التلاعب وتعطيل إرادة الشعب الفلسطيني، فطالما أن اعتقال الاحتلال لشخص يمنعه من ممارسة حقوقه؛ فإن الاحتلال يمكنه في كل لحظة أن يمارس هذه اللعبة، ويقدم التقرير تحليلاً لمضمون التشريعات التي صدرت عن المجلس في غزة، ويشير إلى أنها مخالفة لروح وطبيعة النظام السياسي التي رُسمت حدوده منذ سنة 1996، وأنها تستهدف محاولات لفرض رؤى أيديولوجية خاصة بكتلة التغيير والإصلاح، وأنها تتعارض مع مبدأ توحيد القوانين في الضفة وغزة.
أما عند الحديث عن عملية التشريع في الضفة فإن التقرير يوحي بأن هنالك ضرورة لهذا الأمر تتمثل في الانقسام، وعدم قدرة التشريعي على الانعقاد، وأنه يوجد تضافر بين الحكومة والكتل البرلمانية والقضاء لإصدار تشريعات جديدة، ويُبرز المواد القانونية التي استندت لها الحكومة والرئيس في سن هذه القوانين، ولا يقدم تحليل للطبيعة الأيديولوجية التي تتضمنها هذه التعديلات والتشريعات، رغم أن هذه التعديلات المذكورة تتعلق بقانون العقوبات وتتعرض لمسائل ذات حساسية دينية.
لا بد أن أسجل قناعتي بأنه من حق كل الناس السعي للدفع بآرائهم وأفكارهم وأيديولوجياتهم إلى مواضع الصدارة، لكن شريطة أن يكون ذلك بالطرق السليمة، أما أن تُستغل مؤسسات حقوق الإنسان لخدمة أهداف أيديولوجية ترويجاً وتسويغاً، ومحاربة أفكار وأيديولوجيات إدانة وتجريماً وإخراجاً من دائرة القانون، فهذه لعبة يجب التوقف عنها؛ لأنها تسيء إلى القيم التي يزعم معدو التقرير أنهم يتمسكون بها.
14- يتجاهل التقرير ما حدث للدكتور عزيز دويك عند خروجه من المعتقل، ومنعه من دخول المجلس التشريعي، وحرمانه من الوصول إلى مكتبه، ومنعه من الدعوة لانعقاد جلسة للمجلس التشريعي. لماذا يتجاهل التقرير هذه الحادثة؟!
15- يلاحظ أن التقرير يتعامل بانتقائية مقصودة في الاستناد إلى القانون الأساسي عندما يخدم رؤية معدي التقرير في بعض التوجهات ذات الطابع العلماني، لكن بند اعتماد الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع يتجاهله التقرير بشكل كامل، ويعتبر أي اقتراحات منسجمة مع الشريعة الإسلامية منافية لروح وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني الذي تشكل منذ العام 1996، ويتجاهل هنا نصوص القانون الأساسي التي لا تمنع ذلك. وهنا أؤكد على ملاحظة سابقة، أن من حق الناس أن تناضل من أجل تطبيق رؤاها، لكن ليس من حق أحد أن يلوي عنق النصوص، أو أن يتستر خلف يافطات حقوق الإنسان لكي يعطي شهادات حسن سير وسلوك للبعض، أو أن شهادات إدانة وتوبيخ للآخرين، مستغلاً ما لموضوع حقوق الإنسان من سطوة وتأثير على الساحات المحلية والدولية.
16- يوحي التقرير، ويصرح أيضاً أن الانتهاكات في غزة ليست أخطاءً يقع الناس فيها، بل هي سياسات ونهج معتمد تتضافر بشأنه الحكومة والتشريعي والجهات القضائية، ويستند في ذلك إلى حوادث متفرقة جرى تصحيح بعضها، وتفسير بعضها الآخر أمام الهيئة وممثلي الرأي العام، مثل حملة الفضيلة، أو فرض الحجاب بالنسبة للمحاميات، أو الجلوس على شواطئ البحر، والغريب أن الهيئة تسجل شهادة الصحفية أسماء الغول بأن رجال الشرطة (لمّحوا) بأن حديثهم معها يعني سؤالهم عن وجود محرم، واعتبر ذلك انتهاكاً! التلميح يُعتبر انتهاكاً! لا مشكلة لديّ في ذلك، لكن التقرير لم يوضح التكييف القانوني لهذا النوع من الانتهاكات.
17- يورد التقرير حوادث إغلاق الجمعيات في الضفة الغربية؛ وتعيين لجان إدارية لها، وحل المجالس المحلية المنتخبة وتعيين بديلاً عنها، وفصل الموظفين من أعمالهم، وفرض شرط السلامة الأمنية، والاعتقالات السياسية، وملاحقة الصحفيين، بشكل منفرد، ولا يسجل أنها سياسة ونهج يستهدفان إقصاء واستئصال لشريحة حازت على أغلبية الأصوات في الانتخابات من قبل أقلية!
18- يتعامل التقرير مع الحكومة في غزة على أنها غير شرعية، لكنه ينتقدها ويحاسبها كسلطة على كل خطأ حسب القانون الفلسطيني أو حسب المعايير الدولية، وهذا تعامل يشبه تعامل مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية مع سلطات الاحتلال، فهو غير شرعي، لكن المعايير الدولية تنظم عمل الاحتلال، وبالتالي يتم انتقاده بناء على المعايير الدولية، وهنا يجب أن ينتبه معدو التقرير إلى الثغرة في الموقف الأخلاقي والقانوني الذي يدفع معدو التقرير للتعامل مع جهة منتخبة بنفس الطريقة التي يتعامل فيها الفلسطينيون مع سلطات الاحتلال.
19- يعتبر التقرير أن تشكيل مجلس العدل الأعلى، وتشكيل نيابة جديدة في غزة هو مس بالحق في التقاضي، ويطالب التقرير الحكومة في غزة إفساح المجال للقضاة السابقين وللنيابة بالعودة إلى عملهم، لا أدري كيف يمكن اعتبار من استنكف عن أداء عمله قاضياً، أو نائباً عاما، الأصل أن السلطة التنفيذية هي التي تخشى العاملين في القضاء، وليس العكس، كان على القضاة أن يواصلوا عملهم، وأن يحاكموا من يطالبهم بالتخلي عن دورهم، كيف غابت هذه النقطة عن معدي التقرير؟ لا أعتقد أنها غابت، لكن الرغبة في الإدانة كامنة في وعي أو في اللاشعور عند من أعد التقرير، ورغم ذلك سأوافق على دعوة القضاء والنيابة السابقة للعمل، لكن كيف سيعملون؟ هؤلاء يرفضون التعامل مع الشرطة الحالية في غزة، لماذا لم يطالب معدو التقرير الشرطة للعودة لعملهم أيضاً، وكذلك بقية الموظفين!
20- يعتبر التقرير أن دور أعضاء المجلس التشريعي غائب في الرقابة وحماية الحريات في غزة، وهذا الحكم الذي أصدره التقرير يتجاهل واقع أن أعضاء التشريعي في غزة على اتصال دائم بمختلف الدوائر والجهات، ويتدخلون بشكل واسع في حل المشكلات التي تنجم عن الاحتكاك بين المواطنين ومؤسسات السلطة فيما يتعلق بالاعتقالات والسفر والتوظيف، وغير ذلك من أعمال، ويقومون بدورهم في الاستماع وتوجيه الأسئلة لمختلف الوزراء، وبشأن مختلف القضايا.
21- يعتبر التقرير أن هنالك منهجاً متبعاً في السيطرة على ما يقال وما يُنشر في قطاع غزة، وذلك –كما يذكر التقرير- من خلال اشتراط الحصول على إذن مسبق عند تنظيم أي مهرجان، وكذلك تدخل المكتب الإعلامي الحكومي أو وزارة الداخلية في منع بعض المؤتمرات الصحافية، أو أنشطة معينة في ذكرى النكبة، أو تضامنا مع القدس، أو احتفالات القدس عاصمة الثقافة العربية 2009 تابعة للحكومة في رام الله. ويذكر التقرير أن العديد ممن حاولوا التعبير عن رأيهم تعرضوا للضرب، ويستشهد التقرير بحادث اعتقال د عاطف أبو سيف، واختطاف المطرب صلاح القيشاوي، دون أن يذكر أي تفاصيل للحادثتين.
لكن واضح أن هذه الأنشطة المحدودة التي تم منعها تتعلق بـ "هيئة العمل الوطني"، ويتم منع أنشطتها لأنها قامت على أساس إقصائي لحركة حماس، وانحازت باستمرار لفريق رام الله، وكانت بديلاً للجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية، وهي لا تعترف بالحكومة، ومثلها الفعاليات التي تحاول رام الله تنظيمها للقدس عاصمة الثقافة العربية، وكذلك المؤتمر الذي حاول تنظيمه اتحاد الصحفيين الدوليين في غزة دون أي اعتبار أو إشارة أو إعلام لصاحب البيت.
لو جرى توضيح وتفسير وطرح وجهة نظر من قام بمنع هذه الفعاليات لكان الأمر طبيعياً، لكن أن يجري الاعتماد على هذه الحوادث للقول أن هناك سياسة للتحكم في ما يقال وينشر هو تضليل متعمد، لأن الهيئة تعرف أن كل أنشطتها كانت تنظم بدون إذن، ولم يعترض عليها أحد، وكانت تبث على الجزيرة مباشر، ومعظمها كانت نقدية للحكومة في غزة، وكذلك من يتابع شاشة الجزيرة مباشر يجد أن أغلب ما يُنشر عبرها من غزة هو معارض للحكومة، لا يوجد في غزة حجر على الآراء، أو تقييد للتعبير عن الرأي كسياسة، توجد أخطاء نعم، فلماذا يقلب التقرير هذه الحقيقة؟
22- يتعامل التقرير مع غزة وكأنها بيت بلا راعي، وعندما يتحدث عن الوضع الاقتصادي فهو يجلب أرقام من تقارير المؤسسات الدولية، ولا يستند إلى معلومات المؤسسات الرسمية، يتحدث عن الفقر ومستوياته، والبطالة وأعدادها معتمداً على أرقام المؤسسات الدولية، وعن الأسعار يتحدث عن ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مع أن الكثير من السلع أسعارها أرخص من الضفة، مثل البنزين والمواصلات والدخان والخبز، والتقرير تجاهل وجود وزارات معنية تجتهد في توفير مستوي معيشي أكثر يُسراً مما هو موجود بفعل الحصار.
23- اعتبر التقرير أن تصريحاً لوكيل وزارة شئون المرأة السيدة رحاب شبير تضمن نقداً للجندر ولاتفاقية سيداو، اعتبر ذلك تحريضاً على المؤسسات الحقوقية والنسوية، ورغم أن التصريح مأخوذ عن وكالة أنباء، ولم يرجع معدو التقرير لصاحبة التصريح للاستيضاح والتأكد، رغم ذلك فقدتم اعتماده واعتباره تحريضاً، لذلك، واستناداً إلى نفس المنطق يمكن اعتبار ما ورد في التقرير من تشويه منهجي بأنه مقصود وتحريضي، ويقصد تشويه الواقع في غزة، وتحريض الجهات الدولية عبر توفير مادة صادرة عن جهات فلسطينية ويمكن الاستناد إليها في تبرير أية عقوبات، وبالتالي يمكن للحكومة في غزة أن تُحَمّل معدي التقرير المسئولية الكاملة عن النتائج السلبية للصورة المشوهة التي رسموها لواقع الحال في غزة.
وفي الختام، آمل أن تثير هذه الملاحظات نقاشاً يجعل المفوضية العامة للهيئة المستقلة تتفحص ذاتها ونشاطها، وليس عيباً أن يراجع الإنسان ذاته، ويتعرّف على مواطن الخطأ لديه، وأعتقد أن هذا الأمر مطلوب من الهيئة حتى تبني لنفسها مصداقية عند كل الأطراف تمكنها من لعب دور ريادي في حماية حقوق الإنسان الفلسطيني في مناطق السلطة.
Subscribe to:
Post Comments (Atom)

0 comments:
Post a Comment