كتاب أميركي يعرض أساليب «حزب الله» وتكتيكاته خلال حرب تموز (2)
عناصر المقاومة قاتلوا في مارون الراس من غرفة إلى غرفة
علي دربج
خضع التكتيك العسكري المستخدم من قبل «حزب الله» في حرب لبنان الثانية إلى تحليل وتقييم استند في معظمه إلى استنتاج شخصي لا يعتمد على الوقائع والمعطيات الميدانية بل إلى قراءات سياسية استخباراتية.
في الجزء الثاني من كتاب «حرب لبنان 2006 ومستقبل الفكر العسكري: تحديات أمام الجيش والسياسة الدفاعية»، للمؤلفين ستيفن بيدل وجيفري فريدمان الصادر عن «معهد الدراسات الإستراتيجية في الولايات المتحدة الأميركية»، في أيلول 2008، يركز الكاتبان على السلوك القتالي لـ«حزب الله» وتكتيكاته خلال حرب تموز استنادا الى عدد من المقابلات مع الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في الحرب. كما عمد الكاتبان إلى تدوين قيم لمتغيرات ستة متصلة بالدرجة التي يتنافس فيها الفاعل («حزب الله») على الأرض ويتقبل اشتباكا حاسما والأسلوب المستخدم للإخفاء وهي:
1- فترة المعركة النارية.
2- قرب المهاجمين من المدافعين.
3- حدوث هجوم مضاد.
4- النيران المزعجة وحقول الألغام المخفية.
5- قرب المقاتلين من المدنيين.
6- استخدام البزات العسكرية.
فترة المعركة النارية
يقارن ستيفن بيدل وجيفري فريدمان بين المدافعين والمهاجمين، فيعتبران انه على المدافعين التقليديين الساعين للإمساك بالأرض التي يحتلونها البقاء في مواقعهم طالما يتعرضون للهجوم. في المقابل، فإن أفراد حرب العصابات الكلاسيكيين الساعين فقط للتسبب بسقوط إصابات بأدنى حد من الكلفة والمخاطرة نادرا ما يبقون في مواقعهم لفترات طويلة، لان هذا الأمر يمكن القوات الحكومية من تحديد مواقعهم واستحضار قوة نارية لا يتحملونها.
ويضيف الكاتبان، تعتبر كمائن أفراد حرب العصابات مختصرة، ليتمكنوا من الهروب بعد إطلاق مفاجئ للنيران من جانب واحد على هدف غير مشتبه به. ويتابع الكاتبان، سيفشل المدافعون التقليديون المدمرون بسهولة الإمساك بموقع لفترة طويلة جدا، إذ انه بإمكان المهاجمين إنهاء الاشتباك بسرعة، وهنا يمكن ملاحظة معارك نارية مختصرة إما في الحد التقليدي أو العصاباتي للحرب.
ويطبق ستيفن وجيفري هذه المقارنة على حرب تموز 2006، مستذكرين الوقائع التالية:
اشتبك مدافعو «حزب الله» بمعارك نارية مطولة جدا، أكثر مما يتوقعه المرء من أفراد حرب العصابات لا نية لديهم بالإمساك بالأرض. فمثلا في موقع «شاكد» بمارون الراس، استمر موقع دفاعي (خندق) لـ«حزب الله» موجودا في مكانه على تلة حساسة، قرب الحدود الاسرائيلية بين مستوطنة افيفيم وبلدة مارون الراس، بتبادل إطلاق النيران مع دبابات الجيش الإسرائيلي ووحدات المشاة لأكثر من 12 ساعة قبل ان يتم تدميره. كما امسك مدافعو الحزب بمواقعهم داخل البلدة لفترة تتراوح ما بين 5 و7 ساعات من الاشتباكات مع الجيش الإسرائيلي.
ويتابع الكاتبان، وفي بلدة بنت جبيل، خاض مدافعو الحزب في 26 تموز سلسلة من المعارك المرتبة، القوية والعنيفة لأكثر من أربعة أيام، بما في ذلك معارك نارية منفردة طالت لثماني ساعات. فضلا عن ذلك، استمر القتال المتقطع داخل البلدة حتى نهاية الحرب في 14 آب.
أما في بلدة الغندورية، فقد دام القتال في 12 و14 آب أكثر من يومين بما في ذلك معارك نارية ما بين 7 و8 ساعات في وقت واحد. وفي بلدة الطيبة، دامت المعركة في 29 و30 تموز مدة 24 ساعة بما في ذلك 4 و5 ساعات من القتال العنيف خصوصا عند المراكز العسكرية القريبة. وشهدت القنطرة قتالا لمدة 4 ساعات.
وفي وادي السلوقي، تلقت فرق الصواريخ الموجهة ATGMG التابعة لـ«حزب الله» والمحتلة لسلسة مواقع في العمق، نيرانا مضادة من دبابات الميركافا الإسرائيلية بعد قيامهم بإطلاق صواريخهم عليها، لكنهم صمدوا في أرضهم واستمروا بإطلاق 10 صواريخ إضافية على الأقل. ويشير الكاتبان إلى أن بعض الاشتباكات كانت اقصر، لكن عددا منها تحمل واستمر لعدة ساعات أو أيام.
قرب المهاجمين من المدافعين
يقول الكاتبان، ان المخاطرة باشتباك حاسم تتزايد ما أن يقترب المهاجم من المدافع، فالسماح للمهاجم بالاقتراب كثيرا من مكان المدافع يعني المخاطرة بأن يكون الأخير عاجزا عن كسر الاحتكاك والهروب.
ويقارب بيدل وفريدمان هذا المبدأ مع سلوك أفراد المقاومة خلال المعارك، بتأكيد ان «مقاتلي «حزب الله» امسكوا بمواقعهم بشكل متواتر واستمروا بإطلاق النار حتى بعد أن اقترب منهم الجنود الإسرائيليون إلى مسافات قصيرة جدا، كانت في الغالب ضمن حدود اشتباك حاسم بالنسبة للمدافعين. فالموقع الدفاعي لـ«حزب الله» «شاكد» في بلدة مارون الراس اغرق بهجوم إسرائيلي، إذ استشهد مقاتلو الحامية جميعا دون أي محاولة للأنسحاب او الاستسلام على مدى 12 ساعة من المعارك.
ويلفت الكاتبان، الانتباه إلى أن دفاعات «حزب الله» في مارون الراس وبنت جبيل ممسوكة بشكل مشابه إلى حين تدميرها في قتال عن قرب بعد تقدم واسع لمسافات بلغت حتى 120 و100 متر دون أي محاولة لكسر الاحتكاك او الانسحاب. وفي بلدات مارون الراس وعيترون ومركبا، أوقف مدافعو الحزب إطلاق النار إلى حين قامت وحدات المشاة الإسرائيلية المتقدمة بتمرير مجموعاتها العسكرية المتمركزة بالقرب من القوة الرئيسية لحمايتها من هجوم مفاجئ، حتى اصبحوا ضمن مرمى النظام الدفاعي نفسه، وهو ما جعل الانسحاب أمرا مستحيلا.
وفي بنت جبيل، فتح مقاتلو الحزب نيران أسلحتهم الصغيرة من مسافة اقل من 20 مترا على قادة الآليات الإسرائيلية الواقفين في فتحة (حجيرة الآليات المفتوحة)، بعد أن سمحوا لها باجتياز الشارع تحتهم. ويعود الكاتبان إلى بلدة مارون الراس، فيشيرون إلى أن «مدافعي «حزب الله» قاتلوا (حرفيا) من غرفة إلى غرفة داخل المنازل بعد أن دخلها الجيش الإسرائيلي».
ويضيف الكاتبان، في الغندورية، كان المدافعون فيها مطوقين من الجيش الإسرائيلي لكن الذين حافظوا على طرق هرب محتملة (أي طرق انسحاب)، بقوا في مواقعهم، ولم تتمكن وحدات الجيش الإسرائيلي المهاجمة من التقدم سوى لمسافة 600 متر فقط في يوم من القتال الشديد.
ويقول الكاتبان، انه في عيترون، انسحب المدافعون فقط عندما ادركوا أن موقعهم أصبح عديم الأهمية من الناحية التكتيكية، فالجيش الإسرائيلي كان قد تجاوزهم ووصل إلى مارون من المنطقة الجنوبية الغربية. وفي بلدة حداثا، بقي حوالى 30 مقاتلا من الحزب في مواقعهم حتى يوم الهدنة، بعد أن احتلها الجيش الإسرائيلي اسميا.
ويرى الكاتبان، انه كان هناك حجم واقعي لا يستهان به من حرب المراكز العسكرية عن قرب في حرب 2006، فربما بعض المدافعين المشتركين في الحرب قد توقعوا إبادة المهاجمين، بشكل آمن عن طريق المفاجأة ومن مسافة قريبة جدا من الهدف بحيث لا يمكن اخطاؤه، لكن في كثير من هذه الحالات كان هؤلاء المدافعون يتقبلون اشتباكا حاسما في سياق حرب نارية مطولة، وهو أكثر ترابطا وتوافقا من النية من الإمساك بالأرض.
(الحلقة الثالثة: الهجوم المضاد من المقاومة والنيران المزعجة والألغام المخفية)
Sunday, August 29, 2010
Subscribe to:
Post Comments (Atom)

0 comments:
Post a Comment